المامقاني
227
غاية الآمال ( ط . ق )
لوازم البيع والصّلح كما عرفت مما ذكرناه وممّا ذكره مضافا إلى أن مساق الرّواية أيضا يعطي كونها معاوضة خاصّة كما أن اللزوم يستفاد من إلزام المتقبل بالعوض زاد أو نقص وينبغي ان يعلم أن كون هذه المعاملة مستثناة من المزانبة والمحاقلة يتوقف على كون موضوعهما أعم من البيع وغيره حتى تكون هذه المعاملة المستقلة مستثناة منهما وامّا بناء على اختصاصهما بالبيع فلا تكون هذه مستثناة الا أن تكون هي أيضا بيعا وقد أشار إلى ذلك المحقّق الثاني ( رحمه الله ) فيما حكيناه من كلامه هذه ولا داعي إلى إدراجه في شيء من العناوين المتعارفة كالبيع والصّلح ونحوهما لان هذا أمر دل عليه النّص وحصر العقود في المتعارفة ممّا لا نصّ عليه ولا دل عليه دليل معتبر وقد عرفت ممّا بيّناه ما في قول ( المصنف ) ( رحمه الله ) مع أنه لا يخرج عن البيع أو الصّلح أو معاملة ثالثة لازمة عند جماعة لمصير جماعة أخرى إلى كونها معاملة ثالثة جائزة كما عرفت فيصير ذلك أيضا من أطراف الاحتمال فلا يصحّ إطلاق القول بأنّها لا تخرج عن الثلاثة المذكورة مضافا إلى أن اختصاص التقبيل من بين سائر أنواع البيع على تقدير كونه نوعا منه بأنه يجوز فيه لفظ قبلت أو اختصاصه من بين أنواع الصّلح على تقدير كونه منها بجوازه فيه لا شهادة فيه على ما رام ( المصنف ) ( رحمه الله ) الاستشهاد عليه من تجويزهم وقوع العقد اللَّازم بكلّ لفظ دلّ عليه وادي مؤداه وان قلنا بكونها معاوضة مستقلة فاختصاصها بجواز التقبيل فيها لا يشهد بما هو مقصوده بطريق أولى ولو كان قد استشهد بأنه يستفاد من الرّواية كفاية المقاولة المذكورة فيها ولا تختص بصيغة خاصّة مع أنه يستفاد منها لزومها كان أولى في الاستشهاد الا انه لم يكن وافيا بدعوى ان مقصد العلماء ذلك قوله وجوّز جماعة وقوع النكاح الدائم بلفظ التّمتيع مع أنه ليس صريحا فيه هذا الكلام بإطلاقه غير صحيح لما عرفت ان المحقق الثاني ( قدس سره ) جوّز العقد بلفظ التمتيع لكن بدعوى انه صريح في النكاح لا ( مطلقا ) بل كل من جوّز العقد به بنى على صراحته وان من أنكرها منع العقد بها غاية ما في الباب أن يكون قد وقع اشتباه في الصغرى قوله ولعله لما عرفت من تنافي ما اشتهر بينهم من عدم جواز التعبير بالألفاظ المجازية في العقود اللَّازمة مع ما عرفت منهم من الاكتفاء في أكثرها بالألفاظ الغير الموضوعة لذلك العقد جمع المحقق الثاني ( قدس سره ) على ما حكى عنه في باب السّلم والنكاح بين كلماتهم بحمل المجازات الممنوعة على المجازات البعيدة لا وهو جمع حسّ أقول وقد عرفت حكاية نص كلامه في المقامين فيما علقناه على قول ( المصنف ) ( رحمه الله ) وزاد في غاية المراد ( انتهى ) ولا يخفى على من وقف عليهما ان المحقّق الثاني ليس في مقام توجيه كلام الأصحاب ولا في مقام الجمع بين ما يتراءى فيه التناقض وانّما هو بصدد بيان مختاره في المسئلة نعم هو قابل بان يوجه به كلام من أطلق المنع من المجازات وامّا مثل كلام الفاضل الأصبهاني الَّذي تقدم ذكره عند قول ( المصنف ) ( قدس سره ) اما الكلام من حيث المادة وهو ما ذكره من كون أنت طلاق غير صريح معللا بان لفظ طلاق مصدر والذات لا توصف بالمصدر إلا إذا تجوز به عن الصّفة فلا يصح ان يوجه بذلك ضرورة أن المصدر المستعمل في معنى الوصف ليس من المجازات البعيدة وكذا ما ذكره في مثل أنت مطلقة أو من المطلقات من أنه ظاهر في الخبر وانما يطلق على إنشاء الطَّلاق مجازا وما ذكره من أن الفارق بين أنت طالق وغيره من صيغ الطَّلاق انّما هو النّص والإجماع والا فالكل مشتركة في كونها حقيقة في الاخبار مجازا في الإنشاء واستحسن بعض من تأخر هذا الجمع ( مطلقا ) بعد ما أورد على الجمع الذي يذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) بما سنذكره ( إن شاء الله ) وبما ذكرناه من وجه عدم جريانه في مثل كلام الفاضل المذكور يظهر ان إطلاق القول بإستحسانه مما لا وجه له بل أقول إن التعرض للجمع بين كلماتهم مما لا وجه له لأنها كلمات مختلفة صدرت من اشخاص لا يجمعهم زمان ولا مكان مع اختلاف مشاربهم بل قد يصدر الكلام من شخص اجتمع مع أخر في زمان واحد من غير اطلاع على مذاق الأخر ولا كلامه كما هو الشائع الغالب في العلماء الَّذين جمعهم عصر واحد من عدم فحص عن مذهب الأخر بل عدم الاعتداد وكثيرا يتفق التخالف من هذا الباب فيصير الجمع بين الكلمات ممّا لا يرضى به أربابها ولا داعي إلى التكلف والتمحل في أمثال ذلك فإنها مع إيجابها البعد عن الواقع تؤدّى إلى اعوجاج الذّهن واختلال الطَّريقة فلا بد من ملاحظة كل كلام على ما هو عليه والأخذ بظاهره من دون تخط إلى التأويل ثم إن لذلك البعض كلاما أخر يمكن المناقشة فيه أيضا وهو ان القدر المتيقن في كلمات الأصحاب مما منع استعماله في العقود انما هو استعمال المجازات البعيدة استنادا إلى أن الصّراحة التي اعتبروها لا ( يخلو ) أمرها من احتمالات ثلاثة أحدها أن يكون المراد بها هو كون اللَّفظ حقيقة في معنى ذلك العقد مختصة به ثانيها أن يكون المراد بها كون اللَّفظ حقيقة فيه ( مطلقا ) وان لم يكن مختصّا به بل كان مشتركا بينه وبين غيره لفظا أو معنى وثالثها أن يكون المراد به عدم احتمال غير المقصود سواء كان بالوضع أم بضميمة القرائن والقدر المتيقن منعه من الجميع انّما هي المجازات البعيدة وذلك لانّ هنا تقريرين أحدهما ان القدر المتيقن من كلام من منع من استعمال المجاز انما هو منع المجاز البعيد وان كان كلام بعضهم يعم القريب أيضا وهذا المقدار مسلم ثانيهما ان القدر المتيقن من كلام من اعتبر الصّراحة هو عدم جواز استعمال المجازات البعيدة وهذا لا يتم على إطلاقه لان من يجعل الصّراحة بمعنى عدم احتمال الغير سواء كان بنفسه أم بضميمة القرائن لا موجب للتشكيك في كلامه مع إطلاقه وبيانه للمناط الَّذي هو عدم احتمال الغير فإذا كان المجاز البعيد قد اقترن القرائن أفادته الصّراحة فقد حصل المناط قطعا ولا مجال للشك من هذه الجهة ولا وجه للأخذ بالمتيقن استنادا إليها نعم يمكن التشكيك من جهة أخرى مثل توقيفية ألفاظ العقود أو كون المراد بالمجاز البعيد ما لم يعهد استعماله ووقع الشّك في جواز استعماله في الكلام من جهة ضعف العلاقة والمناسبة وعدم وقوع استعماله أصلا بحيث يلحق بالغلط ولكنّه ( حينئذ ) يخرج عن مفروض المقام لان المنع ( حينئذ ) ليس من جهة عدم الصّراحة بل من جهة كونه مثل الغلط أو عينه وعدم الترخيص في الاستعمال وان بلغ حدّ الصّراحة بانضمام القرائن المفيدة بلوغ اللَّفظ إلى تلك المرتبة قوله ولعل الأحسن منه ان يراد باعتبار الحقائق في العقود اعتبار الدّلالة الوضعية سواء كان اللَّفظ الدّال على إنشاء العقد موضوعا له بنفسه أو مستعملا فيه مجازا بقرينة لفظ موضوع أخر ليرجع الإفادة بالأخرة إلى الوضع ( انتهى ) لعل وجه أحسنية هذا الجمع بالنّسبة إلى ما حكاه عن المحقق الثاني ( قدس سره ) ان لهم في عدم كفاية الألفاظ المجازية في العقود عبارتين إحديهما انه لا يجوز التعبير بالألفاظ المجازية والأخرى أنّه